مركز الثقافة والمعارف القرآنية
121
علوم القرآن عند المفسرين
قوله : قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً « 1 » فاللفظ هنا يراد ( به ) السكان من غير اضمار ولا حذف . فهذا بتقدير أن يكون في اللغة مجاز ، فلا مجاز في القرآن . بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث . لم ينطق به السلف . والخلف فيه على قولين . وليس النزاع فيه لفظيا . بل يقال : نفس هذا التقسيم باطل . لا يتميز هذا عن هذا . ولهذا كان كل ما يذكرونه من الفروق يبين أنها فروق باطلة . وكلما ذكر بعضهم فرقا أبطله الثاني . كما يدعى المنطقيون أن الصفات القائمة بالموصوفات تنقسم اللازمة لها إلى داخل في ماهيتها الثابتة في الخارج وإلى خارج عنها لازم للماهية ، ولازم خارج للوجود . وذكروا ثلاثة فروق كلها باطلة . لأن هذا التقسيم باطل لا حقيقة له . بل ما يجعلونه داخلا يمكن جعله خارجا وبالعكس . كما قد بسط في موضعه . وقولهم : اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة ، وإن لم يدل إلا معها فهو مجاز - قد تبين بطلانه ، وأنه ليس في الألفاظ الدالة ما يدل مجردا عن جميع القرائن . ولا فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن . وأشهر أمثلة المجاز ؛ لفظ الأسد والحمار والبحر ونحو ذلك ، مما يقولون : إنه استعير للشجاع والبليد والجواد . وهذه لا تستعمل إلا مؤلفة مركبة مقيدة بقيود لفظية . كما تستعمل الحقيقة . كقول أبى بكر الصديق عن أبي قتادة « 2 » ، لما طلب غيره سلب القتيل : لاها اللّه ، إذا تعمد إلى أسد من أسد اللّه يقاتل عن اللّه ورسوله فنعطيك سلبه . فقوله : تعمد إلى أسد من أسد اللّه يقاتل عن اللّه ورسوله ، وصف له بالقوة بالجهاد في سبيله . وقد عينه تعينا أزال اللبس . وكذلك قوله
--> ( 1 ) سورة النحل : الآية 16 . ( 2 ) صحيح البخاري في : 57 - كتاب فرض الخمس ، 18 - باب من لم يخمس الأسلاب ، ومن قتل قتيلا فله سلبه . عن أبي قتادة رضى اللّه عنه قال : خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عام حنين . فلما التقينا ، كانت للمسلمين جولة . فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين ، فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه . فأقبل إلى فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت . ثم أدركه الموت فأرسلني . فلحقت عمر بن الخطاب فقلت : ما بال الناس ؟ قال : أمر اللّه . ثم إن الناس رجعوا . وجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « من قتل قتيلا ، له عليه بينة ، فله سلبه » فقمت فقلت : من يشهد لي ؟ ثم جلست . ثم قال : « من قتل قتيلا ، له عليه بينة ، فله سلبه » فقمت فقلت : من يشهد لي ؟ ثم جلست . ثم قال الثالثة مثله . فقال رجل : صدق يا رسول اللّه . وسلبه عندي . فأرضه عنى . فقال أبو بكر : لاها اللّه ، إذا يعمد إلى أسد اللّه يقاتل عن اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم يعطيك سلبه ! ! فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « صدق » ، فأعطاه . فبعث الدرع فابتعت به مخرفا في بنى سلمة . فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام .